مسبح الابتذال

ساحتنا الثقافية تنمو بتسارع، كل ما كنا نحلم به يتوارد تحققه تباعا، أطروحات تعيد تقييم الموروث الثقافي، أزمات وصدامات فكرية تعيد تقييم مواقفنا الأيدلوجية، خيارات متنوعة في مصادر المعلومات، وبروز للشخصيات الفكرية والثقافية الجديدة وغير المألوفة، إعلام جديد ليس له حدود، مقالات وأفكار من كل المجالات أصبحت مشاعة لكل شرائح المجتمع ولكل فئاته العمرية، ارتفاع في صوت الرفض للتلقين التقليدي المفرغ من قيمة إعمال العقل، اختراق لنماذج الوصاية الاجتماعية المقيدة للحريات، كسر لثقافة الترهيب والتخويف من كل شيء جديد، تصاعد في مستوى الفهم والمشاركة من قبل الجميع، مشاركة مستمرة من الناس في كل مسائل الشأن العام، صدامات وأزمات فكرية عميقة تنتقل حتى إلى داخل الأطر الضيقة من صور العلاقات الاجتماعية، ازدياد لحساسية العقول تجاه الشاذ والمبتذل، هناك إعادة تشكل واضح لكل عناصر الوعي الاجتماعي وارتقاء بمستواه، إعادة صياغة لكامل الشكل الثقافي للمجتمع وإخراجه من كل الأنماط الثقافية القديمة.
ورغم كل هذا، إلا أن هناك من يشذ عن كل هذا ويعمل في الاتجاه المعاكس كمعول هدم، يخرج من كل مظاهر الدعوة الرصينة التي يتوجب على الداعي الالتزام بها، يفاجئ حتى علماءه ويجبرهم على إنكار ما يطرحه، يصر على أن يجر الناس إلى أقدم سطحية فكرية عرفتها المجتمعات خلال تطورها، ثقافة مجالس النميمة المليئة بالإشاعات وتشويه السمعة عن الأشخاص لمجرد الاختلاف مع أفكارهم، يعيد الناس إلى ثقافة الإيمان بالأوهام والخرافات والقصص الخيالية لإحكام الوصاية على عقولهم، يستجدي إنصاتهم بالبكائيات في حين، والاستظراف في حين آخر، يحاول إثبات مصداقيته بإدعاء المعجزات ودغدغة عاطفتهم الدينية، يبتز ولاءهم باستفزاز غيرتهم على الدين ونصرة الحق، يثير الصدامات والأزمات حول نفسه بالعبث بكل مقدس وكل منزه من أجل تحقيق الانتشار والجماهيرية، ينصب محاكم لفرز الناس وتفريقهم حسب أخلاقهم، يبتعد عن مظهر الدعوة وتتكرر أخطاؤه، ليس هناك أي مسبح أكثر سوءا من مسبح الابتذال الذي يسبح فيه مثل هذا الشخص.

الغذامي وقافلة المرضي عنهم

كي تخرج من مأزق النقاش، أو من معضلة التقارب مع آراء الآخرين، أو حتى التوافق، وإن كنت تجد نفسك في أزمة قبول البعض لهويتك الثقافية، ورضاهم عن توجهاتك الفكرية، يمكنك بكل بساطة اتخاذ مواقف مطلقة في نفي الآخر المختلف وإلغائه.
في فترة ماضية من القراءة والاطلاع كنت أجد في الدكتور عبدالله الغذامي مجددا، صاحب مشروع للنقد الثقافي. اعتقدت فيه منهجا للقراءة العامودية في فهم مكونات الثقافة الاجتماعية وما ينتج عنها من أدب وفكر. ولكن في لحظة وجدت نفسي أمام شخص متطرف، يحاول جاهدا إلغاء تلك التيارات الفكرية أو حتى التوجهات الطامحة لتكوين تيارات أكثر تطورا وانفتاحا مع معطيات الحاضر.
موقفه من الليبرالية خرج عن الموضوعية، اهتم بتفاصيل المطابقة بين المصطلح وتعريفاته مع كامل الأمثلة الحالية، والتي ما زالت تبحث عن صورة وتعريف يعبر عن توجهاتها، وتبتعد جاهدة عن التورط في مماثلة النماذج المرفوضة، توجهات لديها هم الوقوع في إشكالية المحافظة على هويتها وموروثها الثقافي، والخروج بنموذج يمكن تقبله كتيار فكري يحقق معادلة التنوع الثقافي. توجهات كان بإمكان الغذامي أن يساهم في فهمها وتعريفها بما يوجد لها من آثار ثقافية لا يمكن تجاهلها أو التطرف في مصادرة حقها في تسمية وتصنيف نفسها.
النفي المطلق الذي أعاد طرحه في نادي جدة الأدبي بعد محاضرته في جامعة الملك سعود، يثير التساؤل حول هذا التحول الكبير وهذا الموقف المتزمت. هذا الموقف الذي عبر عنه يوما في إحدى الصحف بأنه مستعد لحرق كل كتبه لمصالحة الآخرين المختلفين معه. هكذا بكل بساطة ولا أدري هل سأل نفسه عن أولئك الذين قرأوها وتأثروا بها هل سيحرقونها أيضا لمجرد تحقيق مصالحته مع تيار يعتقد فيه الخصومة؟. ماذا لو قالوا نعم أحرق كل كتبك لكي نرضى عليك. هل كنا سنراه يعيد نقاشها وقراءتها مع قرائه ومتابعيه في تويتر. أم سيطلب منهم أن يحرقوها لينضموا إلى قافلة المرضي عنهم.

نزوح جماعي للاستقلالية الفردية

إن كنت تحاول فهم مجتمعك تجاوز الأشخاص الذين يفترضون في أنفسهم ممثلين لأية شريحة، وتابع الشريحة نفسها، تلك التي يمتطي الإنابة عنها والوصاية عليها كل شخص يعتقد في نفسه الصلاح دون غيره، اقرأ تفاصيل حياة الناس، استمع لهم خلال كل ممارساتك اليومية، في الشارع، في الأسواق والمقاهي، في الدوائر الحكومية، افتح نقاشات، اطرح أسئلة، مع الجميع وبشكل عشوائي، لا تختر أشخاصا تعتقد فيهم الأهمية، حتى الوافد هو جزء من ثقافتنا وعنصر متحول ومحول في بيئتنا، قف معه قليلا اسأله عن رأيه فيك وفي مجتمعك، توجه إلى قراءة تعليقات الجمهور بعد قراءة كل مقال في أحد الصحف الإلكترونية أو الورقية المنشورة على الإنترنت. تابع تويتر على أقل تقدير.
في كل ذلك يكمن الوعي الاجتماعي بكل فروقاته الفردية فكريا ومعرفيا، هناك تجد كل السلوكيات الناتجة عن ثقافتنا، مبادئنا عارية بزلات الكلمات، ثوابتنا التي قد تتوحد في قضية، وتتشتت في قضية أخرى، ستجد عزيزي القارئ نفسك وستقرأها على لسان شخص آخر، ستصبح في مواجهة مع نفسك لتعيد تمحيصها والتدقيق فيها.
لم يعد هناك أي جدوى لفرز الثقافة بين عامة ونخبة، لم يعد هناك أي تراتب معرفي يحقق الأهلية لشخص دون آخر، اليوم تعددت الخيارات أمام الناس، أصبحوا شركاء في الفهم وتحديد مصالحهم الخاصة، فكرة الوصاية الفكرية بدأت تضمحل، فكرة الأبوة الاجتماعية بدأت تتفكك، نحن اليوم أمام انكشاف ثقافي لواقعنا، تفضح فيه كل نتائج ثقافتنا السابقة. نحن اليوم لدينا إمكانية أكبر في قراءة منطقية وموضوعية لمن أراد له تحديد مسار وتوجه المجتمع. القفز باستنتاجات نخبوية وتحليلات لها نكهة الوصاية الفكرية، لم تعد صالحة وليس لها مصداقية، حالات الانقلاب الفكري المتطرفة أوقعت الناس في الشك تجاه خياراتهم القديمة، نحن اليوم أمام حالة نزوح جماعي للاستقلالية الفردية، هذه هي الخطوة الأولى للتحول الثقافي القادم.

ما بعد بركت فتمرغ….التجديد الثقافي . مقالي قبل مقص الرقيب في عكاظ

أعلم جيدا أنه ” بدري علي ” إبداء امتعاضي تجاه مقص الرقيب في جريدة عكاظ ، ويقال في نجران مثل ” ما بعد بركت فتمرغ ” ، وهو أن الإبل _ على قول أحد المحترفين في مجال الإبل _ لا بد أن ” تنوخ ” لتبرك قبل أن تبدأ بالتمرغ لتنظيف نفسها من الحشرات ” القردان ”  ، وعند تطبيقه على قصتي هنا أجد أنني بالكاد بدأت وحظيت بعامود إسبوعي في جريدة عكاظ  ، ولم يصبح لدي من الجمهور والقراء ما يعطيني حصانة ثقافية أكبر ويرفع سقف الحرية تجاه ما اكتبه من قبل الجريدة . حتى أبدأ بالتذمر تجاه مقص الرقيب .

المزيد

كيف نعيش؟

لا يحتاج الواقع إلى الكثير من التدقيق حتى نفهمه ونستطيع تقييمه بالتقاط التفاصيل الصغيرة في حياتنا اليومية والناتجة عن المتغيرات المتسارعة في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. ورغم هذا يتجاوز البعض ذلك، ويقفز بنا إلى نقد كامل التاريخ الإسلامي، ويستدعي فيه تحولاته الكبرى، ويعيد محاكمتها خارج سياق ظروفها الاستثنائية، والمحدودة بثقافة زمانها ومكانها، ليخرج بأحكام لا يمكن إسقاطها على الواقع وتحولاته الثقافية الأكثر انفتاحا وتنوعا.
وفي النت والإعلام مؤخرا يتصاعد جدل وصراع حول شخصيات تاريخية وإسلامية، ورغم ما يعتقد فيه المجادلون من أنه حوار عقلاني بما يقدمونه من أدلة وبراهين، ويراهنون على صحتها وعلى تمام سياقها المنطقي والمطابق لظروف تولدها، إلا أنهم في المقابل يهملون العاطفة العامة، ويحاولون تجاهلها في خطابهم للناس، في محاولة لإفراغ الإنسان من أهم عناصر إنسانيته؛ إنها العاطفة التي تسقط أمامها كل الحجج المنطقية والعقلانية، عاطفة المثبت والمسلم به كموروث ثقافي يتم تداوله في أغلب الأحيان دون الحاجة لإثباته بالمصادر والمراجع، عاطفة الرفض المطلق لأي محاولة تغيير أو إعادة قراءة لتاريخها، وهي عاطفة التحيز لرموزها، هي عاطفة متى استفزت يمكن لها أن تخرج عن كل التوقعات وتفرز تطرفا وتعصبا يعوق أي صيغة تعايش.
وإن افترضت المثالية وكان لا بد لأحدهم اختراق تلك العاطفة، يمكنه المحاولة بأن يستخلص من التاريخ تفاصيل معيشة الناس وتعايشهم، ويعيد إحياءها بمطابقتها مع تفاصيل الواقع، وأن يعزل من التاريخ البعيد ما يستفز عاطفة الناس ويزيد تشنجهم وتوترهم تجاه المستقبل القريب، ليجد عاطفتهم المرتبطة بمعيشتهم أكثر قبولا لأي انتقاد يساهم في التغيير إلى الأفضل، وأن يحاول الانسلاخ عن كل ما يمثله من موروث ثقافي فئوي وطائفي ويحفظ لرموز الآخرين مكانتها، ليخلق انسجاما وهدوءا في نسيج احتياجات المجتمع وتطلعاته المستقبلية، وسيجد نفسه يحتوي عاطفة الناس يتجه معهم وبهم إلى أفضل مظاهر التعايش، كونها عاطفة خائفة مرتبكة متوترة تبحث عن إجابة لسؤال: كيف نعيش؟

تخيلوا 2006 مرة أخرى . مقال لم تنشره عكاظ

من  الواضح جداَ أن مجتمعنا بدأت تتوحد قضاياه وتترتب تحركاته في التعبير عن الاعتراض مكونا شخصية  واعية يمكنها التعبير بصوت واحد عن رفضها للفساد بكافة أشكاله ، فمن احتاجاجات المهندسين ومطالبتهم بالكادر الوظيفي والمعلمين وتحسين مستوياتهم واعتصامات التثبيت والتعيين حتى مظاهرات البنات في جامعة أبها؛ وكلهم أعداد لا تمثل شيئا يذكر مقارنة بتعداد المتضررين ؛ وتلك مؤشرات على أن المجتمع متوجه نحو رفض جمعي لا يمكن تجاوزه بأي إصلاحات شكلية تقتصر على محاسبة موظف أو فصله أو حتى لجان تقصي حقائق ، وإنما إعادة بناء كامل أوجه العمل الحكومي الذي يؤدي بالنتيجة إلى تنظيم إداري أوسع وتشديد الرقابة والمحاسبة على مستويات أكبر .
ولو تتبعنا القضايا التي ثارت في أوقات متفاوتة لوجدناها تمثل شرائح واحتياجات لفئات معينة تجتمع في التخصص أو المطلب ، ولكن الأهم من ذلك أن السبب النهائي هو ” العيش الكريم ” ، ونحن الآن أمام ظاهرة جديدة  ويجدها الناس فرصة لزيادة دخلهم ، وأكثر من يقدم على هذه  الظاهرة هم الطبقة المتوسطة التي تعتبر مركز ثقل المجتمع وعامود توازنه واستقراره الأمني والاقتصادي .
إنها ” الأسهم ” ، تلك الأسهم سبق لها أن قضمت في عام 2006 قطعة كبيرة من حجم الطبقة المتوسطة وخفضت بالكثير من الأسر إلى حدود خط الفقر أو أعلى منه بقليل وتأثر وضع المجتمع اقتصاديا حتى اليوم؛ تلك السنة لم تكن قد شاعت ثقافة التظاهر والاحتجاج والاعتصام . فمرت الأزمة على شكل اعتراضات وصرخات متقطعة فردية ومتباعدة أو على أقصى تقدير تجمعات انترتية فقط .
لذلك فإنه من الصعب جدا إغفال تكرار هذه الأزمة. فإن لم يتم مراقبة سوق الأسهم وإحكامه جيدا سوف يكون لأي انهيار أو ازمة جديدة كتلك التي حدثت في عام 2006 تبعات اجتماعية أكبر وسوف تكون هنا الفئة والشريحة المتضررة أكبر حجما، كون الجميع من كافة أطياف المجتمع يشتركون في هذه الأزمة ـ فتخيلو عدد المتظاهرين امام سوق المال فيما لو انهار مرة أخرى .

هل ترضى على أختك ؟

مشكلتنا مع فهم حقوق المرأة وتقبلها هي ثقافة المجتمع، ومن يتتبع حجم الاعتراض على أي شيء يخص المرأة كمشاركتها في مجلس الشورى أو قيادة السيارة والعمل بجانب الرجل وبنفس المستوى الوظيفي أو تسلمها القيادة في أي مجال، يعلم أن المرأة في كل الصور التي يتم التعبير فيها عن الرفض تأتي في سياق أو بمعنى مفهوم آخر وهو «العرض» .
هذا المفهوم كفيل بتأجيج الغيرة الشعبية لدى مجتمع موروثه الثقافي مبني على الكثير من تعقيدات المحافظة على الشرف التي تتراكم مع كل العادات والتقاليد لتتجاوز حتى الدين نفسه الذي نجد أن فيه من العدل وحفظ حقوق المرأة ما يؤهلها لتصبح عضوا فاعلا في المجتمع.
مفهوم «العرض» الذي يتم أحيانا استخدامه لتأجيج العاطفة الشعبية واستفزاز الرأي العام واستخدامه كوسيلة ضغط تجاه أي قرار أو حتى فتوى تحاول قدر الإمكان تحقيق جزء من حقوق المرأة. إنما هو مفهوم من الصعب انتزاعه ومحاربته في ثقافة ذكورية عربية متأصلة، ترى أن الرجل في أدنى حالاته وإن كان فاشلا أو غير قادر على تحمل مسؤولية المرأة، يظل أكثر رفعة منها وقدرا لانه يحافظ عليها ويستر عليها كـ «عرض»، في حين أن في مجتمعنا حالات تدل على أن المرأة استطاعت أن تحفظ بيوتا وتربي رجالا وتصرف عليهم قبل أن يشتد عودهم ليحموها أو يحافطوا عليها ويستروها..
مفهوم «العرض» مخيف جدا وحين يتم إدراجه في كل نقاش حول حقوق المرأة وأهليتها يتم تجاوزه والقفز نحو استنتاجات عديدة تدخلنا في عملية تخويف وترهيب اجتماعي تتصاعد بكثافة مع كل مقاربة لحقوق المرأة حتى من فئات مثقفة وشابة. وتظل هذه العقدة متجذرة في المجتمع حتى أصبح لها قاعدة في اللاوعي تظهر حتى في وجوه المؤيدين لحقوق المرأة على شكل امتعاض صغير أو ابتسامة خجلة حال أن تسأله «هل ترضى على أختك ؟».

صفحة 4 من 17« الأول...23456...10...الأخير »