من منكم مرض نفسياً

هذه الكلمة التي بدأت تصبح تبريرا باردا وباهتا يدخل على أي مشاعر امتعاض وحزن تجاه ما يتكرر من قضايا الانتحار مؤخرا، يعتقد البعض فيها من السهولة ما يسقط الحجج عن الأسباب والظروف التي وصلت بأي إنسان إلى حالة المرض النفسي، باعتباره حالة جنونية تنزل من السماء على أي شخص فجأة أو حسب الحظ فيمارسها وبدون سابق إنذار يمكن ملاحظته. في حين أن الواقع يقول إن المرض النفسي ينتشر في المجتمع ويتفشى بهدوء تحت رداء الإنكار لكونه يعارض مبدأ الالتزام الديني أو عباءة العيب والخوف من الانتقاد الاجتماعي.
من جرب منكم أن يظل معزولا عن الناس حوله لسبب الحاجة والظروف، من جرب منكم أن يرى مستقبله يقترب من نهاياته وهو ما زال لم يجد بابا يفتح له ليبدأ.
من جرب منكم أن يقترب من شخص مكتئب في حالة انعزال وفصام عن الواقع ليسمع منه أو يحاول مساعدته.
إنه مرض يفتك بكل ما يمكن له أن يعيد التوازن للإنسان ويبقي له الحد الأدنى من التفكير السليم. يتراكم بتواتر على فترات طويلة بعيدا عن الأعين ليفاجئنا في أعز من نملك! «شبابنا»، ولا أعترض على حقيقة أن الالتزام الديني يساعد على الشفاء، ولكن يجب أن لا نغفل الأخذ بالأسباب ومراعاة أن المرض النفسي كأي مرض آخر يحتاج إلى علاج. يبدأ بدراسة أسبابه وظروفه، تلك الظروف التي تتراكم تدريجيا وتصبح أقسى في كل يوم، ويبدأ المريض بالغرق فيها يبحث عن أقرب الحلول ليستريح فلا يجد إلا أن ينهي حياته. حاولوا أن لا ترددوا كلمة «مريض نفسيا» ببرود وكأنها كلمة مفروغ منها وتعني «الجنون» الذي لا سبب له إلا الشخص نفسه. وركزوا انتباهكم على أسباب هذا المرض وكم من شخص كان مسؤولا عنه ولم يحرك ساكنا، ربما يكون أحدكم.

اتحادات الطلبة .. الداخل قبل الخارج

الجامعات في أي مكان من العالم هي قلب المجتمع النابض بالحياة ومنها تنعكس أكثر مؤشرات الوعي الاجتماعي، فهناك تكون الأغلبية من فئة عمرية سريعة التأثر بمتغيرات العصر والأكثر تفاعلا مع أحداثه. ومع هذا كله تزداد كثيرا المطالبات لدى تلك الفئة العمرية، ولم لا وهي صانعة المستقبل ومنها سيتكون الجيل الاجتماعي القادم.
في جامعة الملك خالد في أبها، تقدم خمسمائة طالب ليمثلوا جميع طلاب الجامعة ويتحدثوا نيابة عنهم ويشرحوا كامل مشاكلهم ومطالبهم.
هذه تجربة استثنائية تشير إلى حاجتنا لتشكيل اتحادات الطلبة أو مجالس الطلبة، وتفعيل دورها بطريقة تساعد الجانب التعليمي كقناة تعبر عن حقوق الطلبة ومتطلباتهم داخل جامعاتهم، مما يساعد على تقليل تراكم المشاكل وما تسببه من تأزم للمواقف وإظهارها بشكل سيئ.
الطلبة الذين تجمعوا لو أتيحت لهم فرصة المطالبة تحت مظلة نظامية منتخبة من قبلهم وممثلة لكل مستوياتهم الجامعية وكلياتهم في مجلس أو اتحاد يقررون من خلاله احتياجاتهم واعتراضاتهم وإيصالها بطرق أقل ضررا وأقل إثارة للرأي العام، لما احتجنا للوصول لحالة من الاحتقان الذي استدعى معه بعض الأزمات التي كان بعضها بعيدا عن واقع المشكلة وحقيقتها. والغريب في الأمر أن لدينا تجربة أكبر وناجحة تتمثل في اتحادات الطلبة السعوديين المبتعثين في الخارج والتي كان لها إسهامات ودور كبير في حل الكثير من قضايا الطلبة هناك، فلماذا لا نطبق هذه التجربة في الداخل قبل الخارج.

«سبت الليبراليين»

مصطلح الليبرالية يمكن اختزاله في قيمته النهائية، وهي في أبسط معانيها «الحرية والعدالة والمساواة»، التي اختلفت وسائل الوصول إليها؛ وتحقق هذه القيمة لا يشترط نظاما بعينه كنموذج، بل هي قيمة يمكن احتواؤها وإعادة تأسيسها عبر نفس مكونات المجتمع بنظمه وثقافته الإسلامية التي في أصولها ما يحقق هذه القيمة دون الرجوع لأي نماذج أخرى.
الليبرالية انفكت عن معناها نتيجة الجدل الذي يحدث بين منظريها حول صلاحيتها وإمكانية تطبيقها في المجتمع، فكان الصدام حولها قاسيا ويبتعد عن ما يمكن للفكر أن يحققه من تنظير يؤسس لاستقبال أي مفهوم أو قيمة إيجابية بغض النظر عن أصلها ونظامها المؤسس لها في بداية الأمر.
وأصبح مصطلح الليبرالية إما يمثل منشأه أو أشخاصه الذين يتبنونه، وكلا الأمرين وجد فيهما بعض المعارضين لليبرالية وسيلة لشحن الرأي العام بالرفض لهذا المصطلح مستدلين بما يوجد لدى ممثليه من أخطاء فردية أو لما يمثله منشؤه من ضد تاريخي وثقافي للإسلام.
ونتيجة لخروج هذا المصطلح من سياق التنظير الفكري ثار الرعب الاجتماعي تجاهه وشاع استخدامه كتهمة لأي شخص غير ملتزم دينيا، ويكفي أن يرى الناس شخصا ترك شيئا من السنن المستحبة أو ارتكب مكروها كحلاقة الذقن أو سماع الأغاني؛ ليتهم بالليبرالية التي تبيح مهاجمته واتخاذ المواقف المتشددة تجاهه والتي قد تصل حد المطالبة بقتله، ونرى ذلك حاليا وبزخم كبير في مواقع التواصل الاجتماعي وانقسام الأطراف بين مؤيد ومعارض في تبادل للتهم والبيانات المشحونة بالإساءة والعنف.
ومثل هذا يذكرني بخرافة «سبت الساحرات» التي شاعت في أوروبا إبان القرون الوسطى وكان نتيجتها انتشار ثقافة القتل ليصل عدد الضحايا البريئة للآلاف والذين تمت محاكمتهم شعبيا خارج المحاكم بعد تفشي حالة الرعب الاجتماعي من السحر والذي أصبح وسيلة أخرى لتصفية الحسابات الشخصية. وإذا لم يخرج صوت العقل لتهدئة هذه الحالة سيكون لدينا «سبت الليبراليين».

سنة رابعة مشاكل

الفكرة الجيدة تحتاج إلى أرضية خالية من المشاكل كي تجد لنفسها فرصة نجاح، وإن اثني عشر عاما من العملية التعليمية في مدارس التربية والتعليم بكل ما فيها من مقررات علمية ولغوية وشرعية لم تلغ حاجة الجامعات السعودية لتطبيق نظام السنة التحضيرية خصوصا للكليات العلمية والتقنية والتي تكون فيها اللغة الإنجليزية أحد أكبر المشاكل.
إن الطالب المتخرج من الثانوية العامة يجد نفسه في السنة التحضيرية وكأنه لأول مرة يدرس أساسيات الكثير من المواد العلمية التي سبق له دراستها. وإن دل هذا على شيء فهو بالتأكيد على مشكلة في نظام التعليم ما قبل الجامعي والذي تكون مسؤولة عنه وزارة التربية والتعليم. وفي ظل الكثير من المشاكل التعليمية التي تحاول الوزارة جاهدة حلها بما فيها مشاكل المناهج وتأهيل المعلمين نسمع عن فكرة جديدة ستكون عبئا إضافيا وهدرا للوقت والمال والجهد في ظل نفس النظام التعليمي.
ليس من المنطق أن نطرح الأفكار الجديدة قبل أن نتمكن من إحكام وحل كافة المشاكل المتراكمة لدينا حاليا في نظام التعليم ومخرجاته والتي يلمسها المجتمع في أبنائه، ومن الجميل أن تظل وزارة التعليم العالي وما يتبعها من جامعات مستقلة في نظم تعليمها مكملة لأي نقص ناتج عن التعليم العام ما قبل الجامعي. وإن كانت تجربة السنة الرابعة مطبقة في المملكة المتحدة كما صرح عميد القبول والتسجيل في جامعة الملك عبدالعزيز الدكتور عبدالفتاح مشاط، فالسؤال هنا: لماذا لا يطبق كامل النموذج التعليمي في المملكة المتحدة قبل القفز على مشاكل اثني عشر عاما لنزيدها سنة رابعة مشاكل؟.

آثارنا … هوية قشرية

لا يمكن أن تكون الآثار مجرد موضوع مادي يتم اختزاله في إعادة ترميمه وإبرازه وإضافته للموسوعات والكتب والمواقع ويصبح محل سباق سياحي يجتذب الاستثمارات والاهتمام الإعلامي، بل لا بد أن تكون الآثار شاهدا حضاريا على سياق كامل يكون الإنسان هو العنصر الأساسي فيه بكامل تفاعلاته مع بيئته المحيطة والتي أنتجت تلك الآثار، دليلا على ثقافة مليئة بالتفاصيل الغائبة عن المظهر المادي تصف في عمقها كل الحالات التي عاشها إنسان المكان ليصنع هذه الآثار.
تلك الآثار التي نمر بها من وقت إلى آخر يمكن لها أن تكون أجراس إنذار تصرخ فينا من حين إلى آخر لنقف على حاضرنا اليوم ونضعه في مقارنة مع الماضي وكيف أن المدنية والحضارة التي نعيشها اليوم مع ما يتوفر لدينا من إمكانيات تصبح في نسبيتها أقل بكثير أمام حجم تلك الحضارة والمدنية التي تركت آثارها حتى اليوم. فالأعراف والتقاليد وأساليب العيش المختلفة والتعامل مع ظروف المكان الجغرافية وما تحمله من إشكاليات اجتماعية وسياسية ودينية واقتصادية كل ذلك تعامل معه إنسان الماضي ليصنع حياته ويترك آثارها لنا حتى اليوم.
ما نحتاجه اليوم حال حضور الحديث عن الآثار هو استدعاء إنسان ذلك المكان المتواجد في عمق كل فرد منا اليوم وبث كامل طاقاته الفكرية التي ستصنع لنا آثارا أخرى تتواتر عليها الأجيال من بعدنا. نحن في أزمة الوقوف عند حدود المفاهيم المادية التي تلغي الإنسان بما يحمله من روح وطاقات كامنة قادرة على التغيير والتكيف وتحقيق المستحيل تجاه أي ظروف زمانية ومكانية يمر بها. نحن في أزمة محاولة المحافظة على هوية قشرية لا تخفي تحتها أي مضمون إنساني يتصل بإنسان الماضي.

لا شيء كالقبر مكشوف النوايا

يموت فينا مع كل شخص نحبه أمل لقاء ظللنا نؤجله حتى سرقته منا الأقدار ، ونعود نبحث عن آخرين نعد أنفسنا بالبقاء على تواصل معهم قبل أن يسبقنا إليهم الموت ، فنجد قوائم من الأحباب والأصدقاء علينا أن ننبش قبورهم في قلوبنا قبل أن نحفر قبورهم في الأرض. محظوظة هي الأرض تحتضن كل من فقدناه ، تضمه إليها وتظل أحضاننا فارغة .

أتردد في النظر إليهم يجتمعون حول رجل يحث همته لحفر الأرض ، متكيء أنا على درفة باب الإسعاف المفتوح عن بياض يمتد على النعش ، أخاف النظر إلى ذلك الكيان الكبير بسيرته في قلبي، أبحث في داخلي عن خوف يحركني من نقطة الصفر كي أملأ في هذه الحياة خانة بحجم أحلامي ، أتلمس حزنا يلهب ذاكرتي لتستحضر كل الذين هجرتهم  بحثا عن طرق جديدة لا تضعني في مواجهة مع نظراتهم نحوي ” أين كنت” أخاف أن أقرأ في حضورهم تاريخ حزني ، أعود من نفسي إلى من حولي أتلصص على أعينهم  قد ينبعث من أحدهم إدانة لهذا الموت عله يصرخ بأن أوقفوا الحفر في الأرض وأحفروا في قلوبكم عن عمق دفنتوا فيه رجلا مثله ، ولكن الغبار ، الظلال ، وملامح جامدة تقبض على جباههم وتخفي البياض في أعينهم ، وتلك نجاة من سبر النوايا عبر نوافذ أرواحهم المطلة على قبره، وفي كل ذلك الحضور لا شيء كالقبر مكشوف النوايا.

الثورة حتى لا تتحول إلى نكتة

لطالما رأينا الشعب المصري يتجاوز بطريقته الخاصة التي تميز بها ، فهو يحول كل مشاكله إلى سخرية و ” نكات ” تهون من وقع تلك المصائب عليه وتساعده على إبقاء عجلة الحياة دائرة . وخفة الدم لدى الشعب المصري تنعكس في كل تعاملاته وعلى جميع المجالات والأصعدة حتى السياسة . ولكن …..

بدأت ثورة الشباب في مصر وذهب ضحيتها حتى الآن عدد كبير من الشهداء والجرحى وتعطلت مصالح كثيرة ويجاهد ناس كثير من أجل المشاركة والصبر حتى الحصول على مطالب ثورتهم الأساسية ، وفي خضم ذلك كله عندما أشاهد المظاهرات وما يطرح من تقارير عنها على القنوات الفضائية بدأت أشعر أن تلك الثورة ” تميع ” بالسخرية وتشجيع سلوكيات الشعب المصري الفكاهية ، في الوقت الذي يجب فيه أن تقوم سرادق العزاء وأن تتوقف الأغاني والأهازيج الطربية احتراما لكل أولئك الشهداء . وأن تكون كل الشعارات لها ابعاد الجدية والرزانة حتى لا يستخف بها، بل سيلاحظ الكثير أن حتى كتاب الصحف والمذيعيين بدأت تختلط عليهم الأمور من اشادة بمظاهر السمر والضحك في ميدان التحرير إلى مظاهر التأييد الجاد والرزين .

اتمنى أن لا تتزايد مظاهر السخرية والفكاهة لإبقاء طابع جدي على هذه الثورة وتقديرا لمن ضحوا بأنفسهم ومصالحهم من أجل دعمها،  فقد كنت أتابع في الأيام الماضية كل شيء وغصة تعتمل في صدري وترتفع حتى تخنقني ، رأيت كيف يبكي وائل غنيم عندما شاهد صورة الشهداء فأبكاني . ومازال قلبي وعقلي مشغولا بما يحدث هناك وكأنه يبعث فيني عروبة غطت في سباتها وما ظننت أنها ستصحو من جديد . اتمنى فقط أن يحافظ الشباب على مستوى مرتفع من الجدية حتى لا تتحول تلك الثورة إلى نكتة وتفقد هيبتها

تحياتي لشباب مصر ولثورتهم .

صفحة 5 من 17« الأول...34567...10...الأخير »