لا شيء كالقبر مكشوف النوايا

يموت فينا مع كل شخص نحبه أمل لقاء ظللنا نؤجله حتى سرقته منا الأقدار ، ونعود نبحث عن آخرين نعد أنفسنا بالبقاء على تواصل معهم قبل أن يسبقنا إليهم الموت ، فنجد قوائم من الأحباب والأصدقاء علينا أن ننبش قبورهم في قلوبنا قبل أن نحفر قبورهم في الأرض. محظوظة هي الأرض تحتضن كل من فقدناه ، تضمه إليها وتظل أحضاننا فارغة .

أتردد في النظر إليهم يجتمعون حول رجل يحث همته لحفر الأرض ، متكيء أنا على درفة باب الإسعاف المفتوح عن بياض يمتد على النعش ، أخاف النظر إلى ذلك الكيان الكبير بسيرته في قلبي، أبحث في داخلي عن خوف يحركني من نقطة الصفر كي أملأ في هذه الحياة خانة بحجم أحلامي ، أتلمس حزنا يلهب ذاكرتي لتستحضر كل الذين هجرتهم  بحثا عن طرق جديدة لا تضعني في مواجهة مع نظراتهم نحوي ” أين كنت” أخاف أن أقرأ في حضورهم تاريخ حزني ، أعود من نفسي إلى من حولي أتلصص على أعينهم  قد ينبعث من أحدهم إدانة لهذا الموت عله يصرخ بأن أوقفوا الحفر في الأرض وأحفروا في قلوبكم عن عمق دفنتوا فيه رجلا مثله ، ولكن الغبار ، الظلال ، وملامح جامدة تقبض على جباههم وتخفي البياض في أعينهم ، وتلك نجاة من سبر النوايا عبر نوافذ أرواحهم المطلة على قبره، وفي كل ذلك الحضور لا شيء كالقبر مكشوف النوايا.

الثورة حتى لا تتحول إلى نكتة

لطالما رأينا الشعب المصري يتجاوز بطريقته الخاصة التي تميز بها ، فهو يحول كل مشاكله إلى سخرية و ” نكات ” تهون من وقع تلك المصائب عليه وتساعده على إبقاء عجلة الحياة دائرة . وخفة الدم لدى الشعب المصري تنعكس في كل تعاملاته وعلى جميع المجالات والأصعدة حتى السياسة . ولكن …..

بدأت ثورة الشباب في مصر وذهب ضحيتها حتى الآن عدد كبير من الشهداء والجرحى وتعطلت مصالح كثيرة ويجاهد ناس كثير من أجل المشاركة والصبر حتى الحصول على مطالب ثورتهم الأساسية ، وفي خضم ذلك كله عندما أشاهد المظاهرات وما يطرح من تقارير عنها على القنوات الفضائية بدأت أشعر أن تلك الثورة ” تميع ” بالسخرية وتشجيع سلوكيات الشعب المصري الفكاهية ، في الوقت الذي يجب فيه أن تقوم سرادق العزاء وأن تتوقف الأغاني والأهازيج الطربية احتراما لكل أولئك الشهداء . وأن تكون كل الشعارات لها ابعاد الجدية والرزانة حتى لا يستخف بها، بل سيلاحظ الكثير أن حتى كتاب الصحف والمذيعيين بدأت تختلط عليهم الأمور من اشادة بمظاهر السمر والضحك في ميدان التحرير إلى مظاهر التأييد الجاد والرزين .

اتمنى أن لا تتزايد مظاهر السخرية والفكاهة لإبقاء طابع جدي على هذه الثورة وتقديرا لمن ضحوا بأنفسهم ومصالحهم من أجل دعمها،  فقد كنت أتابع في الأيام الماضية كل شيء وغصة تعتمل في صدري وترتفع حتى تخنقني ، رأيت كيف يبكي وائل غنيم عندما شاهد صورة الشهداء فأبكاني . ومازال قلبي وعقلي مشغولا بما يحدث هناك وكأنه يبعث فيني عروبة غطت في سباتها وما ظننت أنها ستصحو من جديد . اتمنى فقط أن يحافظ الشباب على مستوى مرتفع من الجدية حتى لا تتحول تلك الثورة إلى نكتة وتفقد هيبتها

تحياتي لشباب مصر ولثورتهم .

صفحة 1 من 4312345102030...الأخير »